lundi 8 juin 2015

بونعمان الفيافي ــ 2 ) رياح عاصفة




وحين كانت تأوي إلى فراشها الحصير ، سرعان ما كانت تستسلم لحصار النعاس ، وهي تغالب جحافله ، لعلها تسترق ما يمكن أن يسر به أبوها إلى أمها وهما في صوفية وجدانية ، لكن غلبة النعاس كان يأخذها إلى سحيق غوره ودهاليزه دون أن تلتقط ما تطمئن له وتنام بدون كوابيس كثيرا ما كانت تنغص نعاسها .
لم يكن تنفس الصبح إلا تخفيف بعض ما كان يثقل جسدها النحيل ، لعلها تشرق عليها نبض في رضى الأب فتعرج وجهتها ، لتستقبل إسرار الصبح إلى ناحية غير التي اعتادت عليها ورفدها القطيع الذي يتجدد أجناده كل كل أسبوع حين يحل موعد السوق ، ويغدو الب باكرا جدا ببعض ما ألفت من الخرفان ، وكان حين يعود في الرواح ، يقدم إليها منديلا أو قميصا خط بصور وحروف لم تكن تسعف على فكها ، فتتوسل إلى أخيها بهمس خفي حتى لايسترق الأب توسلها .
لم يكن الأخ أن يلبي توسلها إلا بعد ما يتأكد من أن الأب في استغراق ما يشغله ، فيحاول أن يفك شيئا مما رسم على القميص ، وكانت هي تجِدُّ محاولة أن تلتقط طنينا خفيا مما كان الأخ يرطن لها به همسا ، وكأنه كان يدغدغ وسنها لعلها تنام مطمئنة بعض الشيء ، وهي راضية بأن هنا في هذا البيت أحد يحاول أن يهتم بها ، إلى جنب أمها التي كانت تشعر ببعض ما كانت تتشوف هي إليه ، لاكنها لم تكن لتجرؤ على الإفصاح لزوجها .
وحين ما يأخذها النعاس إلى جنانه ، كانت تستسلم ، فقد نال منها نصب اليوم قدرا من اللغوب ، فتستسلم ، ولم تكن تستسلم لنداء أمها ،حين تناديها في رقة حين تشق نسمة الفجر أحجبة الليل ، معلنة ميلاد صبح جديد ، كانت تتمنى أن يكون غير الذي فات قريبا من ظلها الصغير .
فتهرع إليها ، وهي بين دوخة النعاس واليقظة ، تتناول الفطور ، وتسرع إلى الحوش ، تجد القطيع ينتظرها ، مثل ما ينتظر السجين لحظة تسريحه ، فتنطلق وهي تحمل المحظة وقد حشتها بما اتفق وكالمعتاد ، وحين يشتد بها السعي تنوخ إلى ظل الشجيرة لعلها تجد شيئا من الراحة وظلا منعشا يخفف عنها غلواء السِّرْحة .
لم تجد ملاذا لها غير هذا الظليل الذي كان لايكاد يحجب الجسم النحيف عن اشعة الشمس اللافحة ، ووقطرات المطر وقرص القر ، لكنها الآن بدأت ترقب ظل الشجيرة يتجوزغصن قدها وقد نبتت عليه بدرتا نهدين صغيرتين ، كانتا تحدثانها بأن طفرة ما طفت على قدها ، لكنها لم تعر الطيف الجديد اهتماما ، ما دم الأمر الآخر لم يخاطر المجيء بعد ، فكانت تستسلم لدغدة النعاس والنسيم أو لعسات الريح الشتوية ،بينما الجرو الذي أضحى كلبا أمينا يحرس القطيع كمما حنكته مرافقته لها وللقطيع ؛ وحين كانت تروح والأصيل يودعها ببسمته ، كانت سرعان ما تتسلل إلى المرآة لتتأكد مما حدث.
كانت الأم ترقب من وراء صمتها الدفين ما تقوم به ، لكنها لم تكن لتبدي شيئا من ملاحظات ، وهي أيضا كانت سرعان ما تتوارى تحت الملفحة الخشنة حتى ولو في أيام القيظ الشديد ؛ وتهوي إلى أحلامها لعلها تلتقط حلما مما كانت تراود به أحلامها ، وهي ترى في كل إشراق أخاها يتأبط محفظته .
في هذا الصباح ، رمقت على وجه أبيها ابتسامة لم تألفه ، أقبل إليه بوجه بشوش ، واستبقها بالتحية على غير عادتها ؛ وقال في نبرة بين الأمر والرجاء :
ــ اليوم سيذب أخوك بالقطيع إلى السرحة ، أما أنت غستبقين هنا حتى أعود بعد صلاة العصر ؛ واصرف ، بينما هي في حيرتها ، كانت الأم منشغلة بإعداد ما يلزم لهذا الطارئ الجديد، ولا ترد على استفسراتها إلا بنبش خفي كأنه همهمة ، تتبعه ببعض الأوامر في مساعدتها .
ظلت في فخ حيرتها ، حتى أقبل الأب مدويا :
ــ السترة . . السترة ، وجال ببصره حول الغرفة ، ثم أومأ لها بأن تختفي ، أخذتها أمها إلى حجرة ها ، وأقفلت الباب دونها ، فبقيت وحيدة تترقب ما سيحدث ، فكثيرا ما كان الأب يأتي بمثل هذا التصرف ، حين يكون الطقس شديد المطر والأعاصير عاصفة ، لكنها همست في سريرتها :
ــ اليوم من أيام الصيف ، فلا يمكن أن يكون الطقس مخيفا بهذا الشكل ؛ لكنها استسلمت ، حتى كد النعاس يأخذها في أحضانه ؛ لكن ما وصل إلى مسمعها من الحديث الذي كان يتم خارج الحجرة ،جعله تتوجس شيئا ما ، غير النوء والعاصفة .
وما أن عسعس الليل ، وانتظمت الثريا ، حتى أقبلت إليها أمها بوجه مشرق لم تر مثلها ، وأصلحت من زينتها وحلتها بم تفضل به الزمن من حلل ، ثم أمسكت بيدهت وهي تتقدمها إلى أن استأذنت الأب ، فدخلتا الغرفة ، وإذا ببعض الغرباء لم تألفهم ، يرمقونها بعيون متفحصة ، وعلامات بعض الرضى تكاد تطير من محاجرها ، وإذا بالأب يقول :
ـــ هذه بنتي ميلودة ، وأردف الله يرضى عليها كانت دائما تسمع لي كلامي ، ولا تخالفه ، انتفضت سيدة ممن كن حاضرات وأمسكت بذراعها وعادت إلى مجلسها وأجلستها بينها وبين أمرأة تكبرها سنا ، وكلا المراتان لم تفارق أعينهما وجه وقد ميلودة .
التفتت إليها المرأة المسنة وقالت :
ــ الله يرضى عليك أ بنتي ، ومدت إليها كفها لتقبه ، ففعلت وعيناها منكسرتان حائرتان من هذا المشهد ، وهي تحدث سريرتها :
ــ لاشك أن اليوم كان شديد العصف والنوء ، مما اعتدت علية وأنا في السرحة ؛ لكنها ابتسمت ، ثم انسلت بسرعة إلى حجرتها .

08 / 06 / 2015



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire