بينما كنت اتمشي في حديقة المدينة التي قصدتها لعلّني أفرغ أوجاعي بين أشجارها المصطفة بمحيط البحيرة، قاصداً الهدوء الذي أفقده روحي منذ زمن ليس بقريب، قاصداً المكان الذي كان يرافق قصائدي ويرطبها بالون الحياة، حيث الاحلام كانت لا تزال تورق مع الأشجار، وتركب أمواج البحيرة الصغيرة مع كل نسمة هواء صيفية!
ولكنني التقيت بما لم اقصده:
التقيت صديقاً جديداً، صديقاً لم ألتقي به قط من قبل، ولكن كل شيء كان يوحي بأنني كنت أعرفه منذ زمان طويل جدا، وهو أيضا وكأنه كان يعرفني!
صديقي الجديد كان واقفا على الرصيف، يرتجف، يرتجف كثيراً لدرجة ارتجف قلبي المثقل بما يكفيه، حين رأيت عذابه!
اخذني التفكير اولاً الى التكهن بانه ربما يكون بارداً!
غير أنها الصيف وحرارة الصيف هنا أشد حرارة من التموز في بغداد!
فصديقي لم يكن يرتجف برداً، بل انه كان يرتجف هلعاً!
الخوف من ماذا!
سالت نفسي؟ لما يخاف أحد وهو جزء من هذه الحديقة المكتظة بالمارة من الأطفال والشيوخ وحتى جيش من العشاق، من لا يبالون لشيء سوى لعشقهم!
لما يخاف أحداً في جو كهذا الجو، طبيعة خلابة، وجيش من السعداء من البشر!
ولكن صديقي كان يرتجف كثيراً!
كان خوفه يشع من مكانه على الرصيف ويصل بعيدا! بعيدا بما يكفي حتى أنها اخترقت روحي وأوقدت في نفسي رغبة عمياء في احتضانه.
في الوصول إليه، مد يد دافئة إليه!
ولدت في نفسي شعور مجنون!
حتى أكثر جنوناً من بحثي في حديقة من صنع الانسان عن الهدوء لروحي التي تعيش الجحيم!
لم تمر سوى لحظات وحتى بدأت روحي المهزومة ببناء جسر من العاطفة مع صديقي المهزوم.
كلما اشتد صراخ صديقي، كلما اشتد صراخ آخر من مسافة ليست ببعيدة، صرخة تساوي صرخته في الحب، وفي الألم أيضا.
صوت يرتجف هنا وآخر يرتجف هناك، كأمواج البحيرة الصغيرة التي تضرب محيطها وتتردد عليها، بنفس الرغبة، ونفس النغمة، ونفس الوتيرة!
الحديث الذي دار بين صديقي وبين قرينه في الطرف الآخر، كان حزينا، حزينا جدا!
كل شيء هناك، من الحوار بينهما، من الحزن في صوتهما، من استنجاده لروحي، دعاني الى التدخل والتحرك.
فاقتربت منه أكثر! وكلما اقتربت خطوة، كلما كان يشتد الحوار بينهما! وكأن الرسالة كانت فحواها:
"ان اقترابي يهدده، ويعذبهما"
أدركت ما كانت تصنعه خطواتي، فتوقفت!
وكلما توقفت كان يعود الحديث بينهما إلى سابقه!
الصغير كان يرتجف كثيرا! والمارة من الناس كانوا غارقون في مساءهم، لم يلتفت له سوى طفلة صغيرة، لكنها عاجلا أبعدت من قبل والدتها خوفا ان يصيبها الصدمة وهي تشاهد الصغير المكسور في روحه!
فنحن البشر، عادة نختار ان نبتعد عن الألم ونتجاهله لأننا خلقنا ان نكون سعداء، لأن غايتنا في الحياة فقط لكي نكون سعداء.
صديقي لم يكن رجلا يتكلم! بل كان عصفوراً صغيراً مشلول الجناحين، سقط من الشجرة قبل ان يملك جناحان قويان تمكنه من الطيران.
وكان تحاوره من فوق الشجرة، عصفورة غيورة ومعها سرب صغير من الطيور، رغم جهلي بعالم الطيور، الا انها، اكاد اجزم، على انها يجب ان تكون امه، لما كان بينهما من محبة.
العصفور الصغير، لم يكن يملك شيئا سوى البكاء على أمه والصراخ بوجه السماء بحثا عنها! كان يرجف لأنها المرة الأولى التي يعيش فيها وحيدا ًبعيدا عن دفء الأم.
أقدمت أخيرا على الخطو خطوة أخرى نحوه، بعد ان جمعت في روحي من الشجاعة بما يكفي حتى اتدخل في الموقف، وامدد له يدي!
حين لمسته، ما كان له سوى أن يستلقي على كفي ويتعلق به بمخالبه الناعمة.
تعالت صراخاته ومعه تعالت صراخات أمه من فوق الشجرة! وكانت رسالتهما واضحة جدا:" أنتم البشر، كفاكم قتلنا، أنتم البشر، ابتعدوا عن عالمنا"!
فابتعدت عنهما قليلا! وكأن وتغريداتهم كانت توصل رسالة من السماء الى روحي، وتقول: "أنتم البشر لا تحملون لنا خيراً او وعداً جميلا، فالأفضل أن تبتعدوا"
ولكن ما كان لي أن أتركهما، لأن المركبات ربما كانت ستسحق الصغير! ففي الحديقة الكثيرون من لا عيون لهم!
ما كان لي أن أتركه لأنني ذقت طعم الألم حين تُركت انا وحيداً لأسحق.
لم اتركه ليس لأنني كنت أكثر رحمة من غيري من المارة، ولكن لأنني وجدت روحي المهزومة في جسده الصغير.
روحي التي سقطت من شجرة الحياة، تماما كجسده!
رغم رسالة العصفور الصغير وأمه بالابتعاد عنهما، إلا أن حبي لهما اجبرني أن ارفعه من الأرض، واضعه على أعلى غصن وصل اليه يداي.
ما أن ابتعدت من السرب، ومن الشجرة، حتى بدأت للتو صرخاتهم تتحول من لغة التهديد والخوف، إلى لغة السلام
حتى أن روحي التمس منهما رسالة الحب والامتنان!
وحدتهما بعد الفراق أعطت الى وجداني سعادة كبيرة، سعادة لم أشعر بها لفترة طويلة! فقلت في نفسي "وأخيرا أعدت صغيرا إلى حضن أمه! وحتى لو كان هذا الصغير عصفورا" فانا اعرف كم صغيرا ينتظر الأن حضن امه.
ولكن سعادتي البائسة لم تستمر كثيرا حتى هبت على روحي أمطار الخيبة وبدأت تتغلغل في كياني لمسافة ابعد، وأعمق.
أدركت انا نفسي كذألك الطير الصغير! فأصرخ منذ الثالث من آب، لأكثر من عشرة أشهر، لكن ولم يلتفت لصرخاتي سوى القليلون!
لعشرة أشهر وانا ذاك العصفور الصغير ارتجف خوفا! وأبحث عن يدا تمتد الي! تمسك بيدي المرتجفة وترفعني من الأرض التي تلسعني كالعقارب!
أبحث عن يد تأخذني إلى أمي! إلى أرضي! إلى المكان الذي أنتمي إليه.
عشرة أشهر وانا في اوج الحاجة الى يد تعيد أمي، اختي، حبيبتي، والأرض التي أولدتني.
عشر اشهر و سرب من خمس آلاف عصفورة صغيرة يموتون خوفا.
سرب من خمسة آلاف عصفورة، جميعهن اخوتي، حيث تركن على ارصفة الموت، ليسحق منهن من يسحق، ويضيع منهن من يضيع!
لعشرة أشهر، وأنا أنظر في عيون الناس، واحمل رسالة العصافير الصغيرة إلى كل من يمر، وكل من لا يمر.
ولا أحد يمد يده!
لا أحد يرفع العصافير من الأرض التي تسحقها!
* لأهلي من الأيزيدية، أقول:
- لا تتركوا من سقط من اخوتكم من الشجرة وحيدا، فليس هناك الكثيرين من يتدخلون لانقائكم، كونوا كسرب الطيور، اما ان تعيشوا معا، او هاجروا معا الى مكان يحفظ كرامتكم، او موتوا معا على ترابكم.
- السعادة الحقيقة ليس سعادة فردية، والنجاح ليس نجاحا فرديا، كونوا كسرب الطيور، حتى يحلق الجميع معا في السماء بسعادة.
- العصافير التي سقطت من شجرة الايزدياتي ليسوا ملكا لعوائلهم، انما هم لنا جميعا، لنتدخل في تحريرهم، ان كان المال هو المشكلة، لنتدخل كمجتمع ونحررهم بأموالنا، ان كانت المشكلة هي القوة، لنحمل لهن السلاح ونحررهن بارواحنا.
لأصدقائنا من البشرية واخوتنا في الإنسانية، أقول:
- لا تمروا من جنت العصافير التي تسحق على الأرض وكأنها لا تعنيكم، فالإنسانية هو ان تمد يدك الى الاخر الذي لا تعرفه، الاخر الذي لا تجمع معه في شيء سوى الإنسانية.
مراد أسماعيل
7-6-2015
هيوستن، تكساس
ولكنني التقيت بما لم اقصده:
التقيت صديقاً جديداً، صديقاً لم ألتقي به قط من قبل، ولكن كل شيء كان يوحي بأنني كنت أعرفه منذ زمان طويل جدا، وهو أيضا وكأنه كان يعرفني!
صديقي الجديد كان واقفا على الرصيف، يرتجف، يرتجف كثيراً لدرجة ارتجف قلبي المثقل بما يكفيه، حين رأيت عذابه!
اخذني التفكير اولاً الى التكهن بانه ربما يكون بارداً!
غير أنها الصيف وحرارة الصيف هنا أشد حرارة من التموز في بغداد!
فصديقي لم يكن يرتجف برداً، بل انه كان يرتجف هلعاً!
الخوف من ماذا!
سالت نفسي؟ لما يخاف أحد وهو جزء من هذه الحديقة المكتظة بالمارة من الأطفال والشيوخ وحتى جيش من العشاق، من لا يبالون لشيء سوى لعشقهم!
لما يخاف أحداً في جو كهذا الجو، طبيعة خلابة، وجيش من السعداء من البشر!
ولكن صديقي كان يرتجف كثيراً!
كان خوفه يشع من مكانه على الرصيف ويصل بعيدا! بعيدا بما يكفي حتى أنها اخترقت روحي وأوقدت في نفسي رغبة عمياء في احتضانه.
في الوصول إليه، مد يد دافئة إليه!
ولدت في نفسي شعور مجنون!
حتى أكثر جنوناً من بحثي في حديقة من صنع الانسان عن الهدوء لروحي التي تعيش الجحيم!
لم تمر سوى لحظات وحتى بدأت روحي المهزومة ببناء جسر من العاطفة مع صديقي المهزوم.
كلما اشتد صراخ صديقي، كلما اشتد صراخ آخر من مسافة ليست ببعيدة، صرخة تساوي صرخته في الحب، وفي الألم أيضا.
صوت يرتجف هنا وآخر يرتجف هناك، كأمواج البحيرة الصغيرة التي تضرب محيطها وتتردد عليها، بنفس الرغبة، ونفس النغمة، ونفس الوتيرة!
الحديث الذي دار بين صديقي وبين قرينه في الطرف الآخر، كان حزينا، حزينا جدا!
كل شيء هناك، من الحوار بينهما، من الحزن في صوتهما، من استنجاده لروحي، دعاني الى التدخل والتحرك.
فاقتربت منه أكثر! وكلما اقتربت خطوة، كلما كان يشتد الحوار بينهما! وكأن الرسالة كانت فحواها:
"ان اقترابي يهدده، ويعذبهما"
أدركت ما كانت تصنعه خطواتي، فتوقفت!
وكلما توقفت كان يعود الحديث بينهما إلى سابقه!
الصغير كان يرتجف كثيرا! والمارة من الناس كانوا غارقون في مساءهم، لم يلتفت له سوى طفلة صغيرة، لكنها عاجلا أبعدت من قبل والدتها خوفا ان يصيبها الصدمة وهي تشاهد الصغير المكسور في روحه!
فنحن البشر، عادة نختار ان نبتعد عن الألم ونتجاهله لأننا خلقنا ان نكون سعداء، لأن غايتنا في الحياة فقط لكي نكون سعداء.
صديقي لم يكن رجلا يتكلم! بل كان عصفوراً صغيراً مشلول الجناحين، سقط من الشجرة قبل ان يملك جناحان قويان تمكنه من الطيران.
وكان تحاوره من فوق الشجرة، عصفورة غيورة ومعها سرب صغير من الطيور، رغم جهلي بعالم الطيور، الا انها، اكاد اجزم، على انها يجب ان تكون امه، لما كان بينهما من محبة.
العصفور الصغير، لم يكن يملك شيئا سوى البكاء على أمه والصراخ بوجه السماء بحثا عنها! كان يرجف لأنها المرة الأولى التي يعيش فيها وحيدا ًبعيدا عن دفء الأم.
أقدمت أخيرا على الخطو خطوة أخرى نحوه، بعد ان جمعت في روحي من الشجاعة بما يكفي حتى اتدخل في الموقف، وامدد له يدي!
حين لمسته، ما كان له سوى أن يستلقي على كفي ويتعلق به بمخالبه الناعمة.
تعالت صراخاته ومعه تعالت صراخات أمه من فوق الشجرة! وكانت رسالتهما واضحة جدا:" أنتم البشر، كفاكم قتلنا، أنتم البشر، ابتعدوا عن عالمنا"!
فابتعدت عنهما قليلا! وكأن وتغريداتهم كانت توصل رسالة من السماء الى روحي، وتقول: "أنتم البشر لا تحملون لنا خيراً او وعداً جميلا، فالأفضل أن تبتعدوا"
ولكن ما كان لي أن أتركهما، لأن المركبات ربما كانت ستسحق الصغير! ففي الحديقة الكثيرون من لا عيون لهم!
ما كان لي أن أتركه لأنني ذقت طعم الألم حين تُركت انا وحيداً لأسحق.
لم اتركه ليس لأنني كنت أكثر رحمة من غيري من المارة، ولكن لأنني وجدت روحي المهزومة في جسده الصغير.
روحي التي سقطت من شجرة الحياة، تماما كجسده!
رغم رسالة العصفور الصغير وأمه بالابتعاد عنهما، إلا أن حبي لهما اجبرني أن ارفعه من الأرض، واضعه على أعلى غصن وصل اليه يداي.
ما أن ابتعدت من السرب، ومن الشجرة، حتى بدأت للتو صرخاتهم تتحول من لغة التهديد والخوف، إلى لغة السلام
حتى أن روحي التمس منهما رسالة الحب والامتنان!
وحدتهما بعد الفراق أعطت الى وجداني سعادة كبيرة، سعادة لم أشعر بها لفترة طويلة! فقلت في نفسي "وأخيرا أعدت صغيرا إلى حضن أمه! وحتى لو كان هذا الصغير عصفورا" فانا اعرف كم صغيرا ينتظر الأن حضن امه.
ولكن سعادتي البائسة لم تستمر كثيرا حتى هبت على روحي أمطار الخيبة وبدأت تتغلغل في كياني لمسافة ابعد، وأعمق.
أدركت انا نفسي كذألك الطير الصغير! فأصرخ منذ الثالث من آب، لأكثر من عشرة أشهر، لكن ولم يلتفت لصرخاتي سوى القليلون!
لعشرة أشهر وانا ذاك العصفور الصغير ارتجف خوفا! وأبحث عن يدا تمتد الي! تمسك بيدي المرتجفة وترفعني من الأرض التي تلسعني كالعقارب!
أبحث عن يد تأخذني إلى أمي! إلى أرضي! إلى المكان الذي أنتمي إليه.
عشرة أشهر وانا في اوج الحاجة الى يد تعيد أمي، اختي، حبيبتي، والأرض التي أولدتني.
عشر اشهر و سرب من خمس آلاف عصفورة صغيرة يموتون خوفا.
سرب من خمسة آلاف عصفورة، جميعهن اخوتي، حيث تركن على ارصفة الموت، ليسحق منهن من يسحق، ويضيع منهن من يضيع!
لعشرة أشهر، وأنا أنظر في عيون الناس، واحمل رسالة العصافير الصغيرة إلى كل من يمر، وكل من لا يمر.
ولا أحد يمد يده!
لا أحد يرفع العصافير من الأرض التي تسحقها!
* لأهلي من الأيزيدية، أقول:
- لا تتركوا من سقط من اخوتكم من الشجرة وحيدا، فليس هناك الكثيرين من يتدخلون لانقائكم، كونوا كسرب الطيور، اما ان تعيشوا معا، او هاجروا معا الى مكان يحفظ كرامتكم، او موتوا معا على ترابكم.
- السعادة الحقيقة ليس سعادة فردية، والنجاح ليس نجاحا فرديا، كونوا كسرب الطيور، حتى يحلق الجميع معا في السماء بسعادة.
- العصافير التي سقطت من شجرة الايزدياتي ليسوا ملكا لعوائلهم، انما هم لنا جميعا، لنتدخل في تحريرهم، ان كان المال هو المشكلة، لنتدخل كمجتمع ونحررهم بأموالنا، ان كانت المشكلة هي القوة، لنحمل لهن السلاح ونحررهن بارواحنا.
لأصدقائنا من البشرية واخوتنا في الإنسانية، أقول:
- لا تمروا من جنت العصافير التي تسحق على الأرض وكأنها لا تعنيكم، فالإنسانية هو ان تمد يدك الى الاخر الذي لا تعرفه، الاخر الذي لا تجمع معه في شيء سوى الإنسانية.
مراد أسماعيل
7-6-2015
هيوستن، تكساس
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire